" لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً "
كورونا أنموذجا ...
بلغت
الهزيمةُ النفسية بالناس في هذا الزمان، أن يعتقدوا في أمريكا وأخواتها صفات
وأفعالاً لا تُنسب للبشر، كالعلم بكل شيء، والقدرة على كل شيء! فلا يجري أمر في
الأرض إلا بعلمها، ولا يكون شيء من أحوال الناس إلا بحكمها، ولا يمتنع في الدنيا
شيء عنُ قدرتها وإمكانياتها، فعبدها الناس من دون الله خوفاً وطمعاً، وطلبوا رضاها
وخافوا من سخطها، ولو بسخط ربهم جل جلاله.
ولذا فإن كثيراً من الناس يفسرون كل الأحداث الكبرى في ضوء هذه العقائد الباطلة، فما يحدث يعتقدون أن أمريكا عالمة به قبل حدوثه! فلا يغيب عن سمع وبصر استخباراتها شيء، وهي مريدة لحدوثه فلا يكون دون إرادة حكامها شيء، وقادرة على منعه إن شاءت فلا يمتنع عن قدرة جيشها وسياسييها شيء! تعالى الله عما يصفون علواً كبيرا.
ولذلك نجد بعض أهل الضلال من المنتسبين للإسلام
يراقبون أمريكا في أفعالهم أكثر من مراقبتهم لربهم جل وعلا، فيبذلون وسعهم لتحقيق مرادها
حتى قبل أن تطلب منهم ذلك، وذلك لإيمانهم أنه لا يمكنهم تحقيق أي مراد لهم إلا
برضاها عنهم، وإن كان بعضهم يُقنع أتباعه أنه يتظاهر بإرضاء أمريكا فقط ليفعل بالسر
ما يُغضبها، فإن أكثرهم يعتقد أنها مطلعة على أسراره كما هو يُطلعها على ظواهره،
فيتجه لطاعتها في السر كما يطيعها في العلن، ويعبد أمريكا في كل
حين كأنه يراها أمامه، فإن لم يكن يراها حاضرة فهو موقن أنها تراه في غيابها عنه!
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولذلك
أيضاً فإن هؤلاء لا يصدقون أن عدواً
لأمريكا يمكن أن يظهر في الأرض إلا برضاها أو معونتها ولتحقيق مرادها في أمور قد
تخفى عليهم يتكلفون في التنقيب عنها والتفاخر بادعاء التوصل إليها، بل وصل بهم
الحال -والعياذ بالله- إلى أن ينسبوا لأمريكا كل ما يحدث في الأرض من خير أو شر
يُصيب الناس، فإن حصل الجفاف في بلد فلأن أمريكا منعت عنهم القطر، وإن أصابها
الغيث فلأن أمريكا وجهت إليها الرياح التي تُقِّل السحاب الثقال، وإن ضرب مدينة
زلزال فأمريكا قد حركت الأرض من تحتها، وإن استقر في الأرض حكم فلأن أمريكا رضيت
عنه، وإن ثار عليه السكان فأمريكا هي من حركتهم وأخرجتهم من بيوتهم ليثوروا عليه ويقلبوا
حكمه.
بل وصلت السفاهة بهؤلاء أنهم لما وجدوا أصولهم الشركية لا يقوم عليها صواب في تفسير المصائب والنكبات التي تحل بأمريكا في كل أرض، نسبوا هذه المصائب أيضاً إليها، فهي تؤذي سكانها وتُدمر اقتصادها وتخرب بلادها لتحقيق غاية ما تعود بالنفع عليها عاجلاً أو آجلاً!! وإن لم يعرفوا هذه الغاية لجؤوا إلى الخرافات والأساطير التي يُحيكها لهم أدعياء ينسبونها للعلم والواقع لكي يُطمئنوهم إلى صحة دينهم وصواب معتقدهم.
ورأينا
في البلاء العظيم الذي حل بالأمم خلال الشهور الماضية كيف يتقلب هؤلاء المؤمنون
بأمريكا وضُرها ونفعها، فلما كانت بداية الأمر عند كفار الصين خرجوا يؤكدون أنه بفعل
أمريكا التي أصابت القوم بالداء لتُضعف قوتَهم وتُدمر اقتصادهم، لكون بلادهم تنافس
أمريكا عالمياً، وهم لا يعلمون أن منشأ هذه الروايات هو طواغيت الصين أنفسهم بعد تصاعد
الذم لهم من أتباعهم المشركين على تقصيرهم في تطويق المرض قبل انتشاره في البلاد.
فلما
توسع الداء أكثر وغزا البلدان الصليبية الحليفة لأمريكا في أوروبا على وجه الخصوص،
وقد أعلنت حكومة الصين تعافي بلادها منه، أوغل السفهاء في جهلهم ليزعموا أن نشر الوباء
في أوروبا غايته تقليل عدد كبار السن الذين يكلفون بلدانهم الكثير لرعايتهم!، وهو
حاصل بتواطؤ بين أمريكا وحكومات تلك الدول، رغم ما يراه الناس جميعاً من الكوارث
التي حلت بتلك البلدان وسكانها واقتصادها.
حتى
إذا وصل الداء إلى أمريكا نفسها وأصاب عشرات الألوف من أهلها أضاف الجهلة سبباً
جديداً –بالإضافة للتخلص من الشيوخ والعجائز لإرادة حكام أمريكا أن يفتك المرض
ببلادهم، وهو أنهم يحتملون كل هذه الخسائر الكبيرة التي ستلحق بهم وباقتصادهم والأخطار
العظيمة التي تُهدد أمنهم ومجتمعهم، في سبيل أن يصيبوا الدول الأخرى بأضرار أكبر
لا يقدرون على احتمالها، لتخرج أمريكا بعد البلاء أقوى وأكثر نفوذاً في العالم.!
وقد
كان في هذا البلاء وما صاحبه من أحداث يعاينها الناس بلا خفاء آية لهم لو كانوا
يعقلون، أن ما أراده الله سبحانه من خير أو شر يُصيب الناس لا يمنعه أحد، مهما بلغ
من القوة والعلم والطغيان في الأرض، فلا أمريكا ولا غيرها أمكنها توقع حدوث جائحة تصيبهم
بهذا الحجم قبل وقوعها فضلا عن العلم اليقيني بها، ولا أمريكا ولا غيرها استطاعت
أن تدفع عن نفسها وسكانها ما أراده الله تعالى بهم، ولا أمريكا ولا غيرها بقادرين
على أن يرفعوا ما أصابهم من ضر إلا بمشيئة الله سبحانه وبما قدَّره لهم جل جلاله، ولا
أمريكا ولا غيرها هم قادرون على أن يُقرروا ما يُصيبهم في غد فضلاً عن أن يُقرروا
ذلك لغيرهم، ألا ضل من يعبد أمريكا وضل من يخافها ويرجوها من دون الله سبحانه، ألا
ضلوا وخاب سعيهم في الدنيا والآخرة،
قال تعالى:
" قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " [الرعد: 16 ]
" قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " [الرعد: 16 ]
المصدر

تعليقات: 0
إرسال تعليق