القيام بالطاعة محض توفيق من الله لا غير، و الحرمان منها خذلان.
حدثني العدل الثقة أن تاجرا من تجار مكة استغرب عجلته على الذهاب للحرم المكي، و كان صاحبنا ينهي معه معاملة؛ فبث صاحبنا للتاجر المكي أشواقه و هيامه بالحرم الشريف.ثم يالصدمته حين نطق التاجر المكي قائلا: لي من العمر ستون عاما لم أدخل فيها الحرم مرة!
فسأله صاحبنا في دهش بالغ: و لا معتمرا!
قال المكي: يا رجل.. أقول لك و لامرة!
قلت: أي جرم ارتكبه ذلك البئيس المخذول ليحول الله بينه و بين أمنية يتمناها ملايين البشر، ربما جلس الواحد منهم يضع القرش على القرش عبر عشرات السنين؛ لتكتحل عينه برؤية بيت الله الحرام؟!
و هذا البائس بينه و بين الحرم أمتار يسيرة، لن ينفق فيها فلسا، ثم هو معرض عن القرب، أغلقت في وجهه نوافذ الرحمة المشرعة للخلق !
و أذكر قصة ذلك المصري الذي كان نزيل جدة مغتربا لأجل لقمة العيش، و قد مكث في جدة خمس سنوات لم يعتمر فيها عمرة، و قد أكثر زملاؤه الملامة له، حتى استنزلوه عن رغبته البليدة في القعود، و أتوا به إلى ساحات الحرم قسرا..
ثم لما دخل ساحات الحرم إذا به يقف وقفة البهيمة الحرون، و قد تمنعت عن الانقياد، و أبى أن يدخل الحرم، و إخوانه من حوله يقنعونه بالدخول، و هو يتأبى عليهم؛ معتذرا بأن هناك ما يمنعه من ذلك و لا يدري ما هو .. و بينما زملاؤه قد اجتمعوا عليه، مر بهم شيخ أعجمي طاعن في السن و قد أتى من بعيد، و هو لا يدري ما يقولون، و لا على أي شيء كانوا يجتمعون.. ثم اقترب الشيخ من ذلك الشاب الآبق و أشار للسماء ثم نطق بلغة منكسرة بالعجمة: هو لا يريدك.. كررها مرتين.. ثم انصرف و اختفى في غبراء الناس وسط ذهول من الحاضرين.. و هم لا يدرون من الرجل؟ و لا من أي فج أتى؟ و ما الذي أتى به؟ و لماذا اختار الآبق بالحديث من بين هذه الجموع؟
ثم انصرف صاحبنا عن الحرم تاركا أصدقاءه يعتمرون!
القيام بحق الله شرف لا يعطيه لأي أحد من خلقه، و هو توفيق محض منه سبحانه، و الحرمان في حقيقته خذلان.
و هنا أستحضر مقولة ابن القيم رحمه الله: إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك؛ فانظر فيم أقامك.
رددها مع نفسك، ثم انظر حالك؛ تعرف مقامك.
المصدر

تعليقات: 0
إرسال تعليق