يقول
الحق تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ
أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى
وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ{
سورة
الحج: الآية 11
قال الإمام الطبري: "يعني جل ذكره -بهذه الآية- أعراباً كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإلا ارتدوا على أعقابهم" .
وقال القرطبي: "قال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم -في المدينة- فيسلمون؛ فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدة ارتدوا."
تصف
الآية حال أقوام انتسبوا إلى صفوف المسلمين يوماً ما، بل وهاجروا إلى دولتهم حيث
المدينة النبوية الخاضعة لحكم الإسلام، وفي خير القرون قرن النبي صلى الله عليه
وسلم، ثم هم لما أصابتهم الفتنة
-المحنة
والبلاء- غيروا وبدلوا في دينهم! وليتهم سكتوا بل زادوا على ذلك أن اتهموا دينهم
الذي كانوا عليه بالسوء!
نقل الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس قوله: "كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء.
وقد نقل الطبري عن ابن عباس قوله: "الفتنة البلاء، كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأن إليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا، وذلك الفتنة"
قال المفسرون: "على حرف أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، وقيل: على حرف على شرط!" أي وكأنهم يشترطون على الله تعالى عبادته في حال دون حال! فإن وسع عليهم رزقهم وأمدهم بما تشتهيه أنفسهم من العافية ورغد العيش ظلوا في عبادتهم -في هذا الحال والظرف،- فإن سلبهم الله تلك النعمة -لحكمة يعلمها سبحانه- أعرض واعترض هؤلاء! لأن الشرط الذي فرضوه من عند أنفسهم لم يتحقق !وما درى هؤلاء أن عبادتهم الله تعالى في ظرف ثم إعراضهم عنه في ظرف آخر، هي من أبرز صفات المنافقين! الذين يخسرون دنياهم وآخرتهم.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر."
وكأن لسان حالهم: أسلمنا وهاجرنا وجاهدنا وبايعنا على المنشط لا المكره! وعلى اليسر لا العسر! وكأنهم لم يقرؤوا قول الله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2 [
قال مجاهد: أي "يُبْتَلون في أنفسهم وأموالهم".


تعليقات: 0
إرسال تعليق